العرب في عيون العرب

بقلم: د.ميـــرزة هـــــاجر
لا ندري إن أسقط العرب نقطة حرف الغين عن كلمة الغرب ليحجب الأخير عن مقصده أو منتصرا للعرب، خاصة ونحن في إطار الحديث عن صورة العرب ليس عند الغرب وإنّما عند العرب ! حملنا العدة للبحث في رحلة صورة العربي عبر محطاتها المختلفة باختلاف رسائلها الإعلامية، وتحديدا الدرامية ذات الراية العربية إن لم نقل الإسلامية منها. صحيح أن ليس كل مسلم بعربي ولا عربي بمسلم، ولكن المعروف أنّ جميع الدول العربيّة تدين بالإسلام، وغالبا ما يتم ربط النّزعة أو القومية العربية بالإسلام، هذا من جهة و من جهة أخرى، ففي حالة لو سألنا أي شخص من الغرب وصف الشخص العربي فيسصفه بمواصفات ذات علاقة بالشخص العربي المسلم كارتداء للحجاب وإعفاء لللّحية والصلاة والذهاب للمساجد …الخ. لذا سنركّز في مقالنا هذا على العربي المسلم بحكم أنّه المستهدف الرّئيس من الإعلام الغربي.
كما لا يمكن لنا مباشرة الرحلة دون التّزود أولا بتبعات أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، إذ توجهّت العديد من المؤلفات والمواد الاعلاميّة الغربيّة نحو الشخص العربي بصورة ذهنية معينّة، ورسّخت سينما هولييود صورة نمطيّة بأنّ كل عربي أو مسلم هو بالضرورة إرهابي، وكرد فعل عن هذه الإساءة عمد العرب من خلال الأطروحات والدراسات والمؤلفات وحتّى الإعلام إلى تحسين هذه الصورة النّمطية السّيئة، وسعت العديد من الجامعات العربيّة إلى القيام بمؤتمرات وندوات وطنيّة أو دوليّة لمناقشة موضوع العرب في نظر الغرب، ولكن بعد مرور أكثر من عشرين سنة أمّا آن لنا أن نطرح تساؤلا مغايرا مفاده ما صورة العربي المسلم لدى العرب؟ إذ لا يمكن تغيير أية صورة إن لم نبدأ من أنفسنا، إمتثالا لقوله عز وجل: ] إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11. خاصّة وأنّ السِّياق يفرض نفسه ونحن نتعامل مع معطيات خدمت أكثر الغرب لا العرب، تحديدا بعد ثورات الربيع العربي وظهور داعش وصعود الإخوان في مصر، وما كان لهذا السِّياق من تداعيات سياسية واقتصادية واجتماعية و أهمّها إعلاميّة على صورة العربي أو المسلم من قبل قنوات عربيّة مملوكة من قبل أطراف غالبا ما تكون مجهولة أو مستترة ولكن معروفة الهدف، هذا ما سنحاول فهمه من خلال التّركيز على رؤية الدراما العربية لكل من فكرة الالتزام الدّيني والحجاب والعلاقات الزوجيّة وتحديدا الخيانة الزوجيّة.
العربي المسلم الملتزم بعيون العرب
هو في الدراما العربية كل مسلم ملتحِ أو امرأة منقبة يمارسان دينهما بتشدد، وهو كل من يرفض الحوار بصرامة ويفرض القواعد الإسلامية بفجاجة، وإن كانت أحيانا مغلوطة ومرات صحيحة لكن منطق العولمة يدحض دائما الصواب منها، العولمة التّي فرضت منطقها على الإعلام العربي بشكل صارخ منذ بداية الالفية الجديدة، فمثلا التّدخين مُحرَّم ومُضِّر بالصّحة ولكن في المسلسلات العربيّة أصبح أمرا عاديّا، ففي مسلسل “حلاوة الدّنيا” نجد في مقطع يجمع كلا من الجدّة والأم والحفيدة وهُنّ يمزحن ويُدخِّنَ السّجارة سويا، والأدهى والأمر أنّ الحفيدة مصابة بسرطان الدّم “اللوكيميا” ! نفس الأمر بالنّسبة للاختلاط الذي يُقِّر به منطق العولمة بل ويدعو إليه، فنجد في مسلسل “سابع جار” مجموعة من الفتيان والفتيات يجتمعون في سطح إحدى العمارات ويحتسون المشروبات الروحية ويدخنون ويستمعون للموسيقى ويرقصون تحت مبرّر الحرية والأخوّة! ويرفض الملتزم العُرِ ي وتُشيد به العولمة، فنجد الأب البرجوازي في مسلسل” كأنه امبارح” يمدح لباس إبنته الفاضح وهي ذاهبة إلى الملهى اللّيلي Night Club بل ويطلب منها الاستمتاع بوقتها ! ومسلسل “حكايات بنات” بكل أجزائه ليس ببعيد عن ذلك من حيث الاختلاط والمصاحبة والعُرّي، وفي المقابل فكل ملتزم بدينه هو ذلك الإرهابي الذّي يسعى إلى الانخراط في صفوف داعش أو صفوف الإخوان، ليكون ذلك السفّاح والكذّاب والمتلاعب والخائن والمرتشي كما هو الحال في مسلسل”الإخوان” أو “لعبة نيوتن” أو “ظل رئيس” أو “عوالم خفية’.
حجب العرب للحجاب
الحجاب هو مثال عن المرأة المسلمة الملتزمة غير المتشددة، طبعا إن كان على الموضة، خمار مع جينز ضيّق أو تنورة قصيرة ورقبة مكشوفة، أي أنّه بعيد كل البعد عن اللّباس الشّرعي والذّي يُعّد تزمتا وتشددا في منظور الإعلام العربي المعولم، هذا إن أرتدته الممثلة منذ بداية الفيلم أو المسلسل، أما إن تحجبّت في منتصف الفيلم أو بعد عرض حلقات من المسلسل، فهنا ستخسر زوجها كما هو الحال في مسلسل “أعلى سعر” حيث تطلّقت ورجع لها زوجها بعد عودتها إلى عالم “الباليه” وخلعها للنّقاب ! كما أنّ كُلّ إمراة أمرها زوجها الملتحي بالحجاب فهي إنسانة مكرهة لا رغبة لها إطلاقا في التحجّب، وفي طلاقها من زوجها الحريّة والخلاص لخلع الحجاب، وأنّه القرار الصائب في مثل هكذا حالات، كما هو الحال في مسلسلي “صاحب السعادة” و”الشك” وما صاحب لحظة ارتداء الحجاب من تعجب وخلعه من فرح !
رمضان بأداء العرب
على عكس سنوات التّسعينيات التّي كان يشهد فيها شهر رمضان إنتاج العديد من المسلسلات التاريخية والدينية والاجتماعية المحترمة، نجد تحوّلا جذريّا في السنوات الأخيرة، إذ أصبح الشهر الفضيل، شهر القرآن مرتعا للمسلسلات الرومنسية المليئة بالمشاهد الخليعة من سكر وعري ولقطات حميمية بعيدة كل البعد عن القيم والمبادئ المجتمعية والأخلاقية التّي نشبنا عليها كمجتمع عربي وإسلامي، مع غياب شبه كلي للمسلسلات التّاريخية القيّمة والدينيّة وإن حضرت ففيها ما يقال، ودعونا في هذا المقام نضرب مثال مسلسل “هارون الرشيد” ببطولة الممثّل قصي خولي وكاريس بشار وعابد فهد وكندة حنا، ثُلّة من الممثلين المسيحيين السوريين لتجسيد شخصيات دينيّة إسلاميّة ! وبعيدا عن ديانة الممثلين وما يُمكن لهم تقديمه من أداء مُميّز للدّور، فالأمر لم يتوقّف عند هذا الحد بل تعداه إلى قصة هارون الرشيد ذاته، الذّي لم نر له طيلة ثلاثين حلقة قياما أو غزوا، وهو المعروف بقيام مئة ركعة كل ليلة وحجه عاما وغزوه العام الذي يليه، كما لم نشهد له حديثا دينيا ولا صلاة ولا قراءة لمصحف ولا استعدادا لحرب ولا إشرافا على بيت الحكمة والعلوم، ولا زيارة لييت الله الحرام، فلم نره إلا يرتحل بين الجواري وجلسات الأنس والغناء وحدائق القصر وقصص الحب المختلفة، فكان الأجدر على المخرج أن سمّى المسلسل بـ”فانتازيا الحب زمن الخلافة العباسيةّ”، بدل أن حمل المسلسل إسم شخصية دينيّة لها وزنها في التّاريخ الإسلامي الذّهبي، فلم نظلم بذلك هارون الرشيد فقط، وإنّما جيلا أو أجيالا مقبلة ستترعرع على شاكلة هذه المسلسلات التّي انتقلت من مستوى التّثقيف إلى مستوى التّتفيه المقصود.
الحلال المحرم والحرام المستحل بحبكة عربيّة
هي تلك الزوجة المفجوعة، هي تلك الأسرة التّي شُتت والطفولة التّي شُردت، لأنّ الزوج قرّر التّعدد أو أكتُشِف أمر زواجه، إذن هي الخيانة الزوجية، أو بالأحرى هي الخيانة الدراميّة المأساويّة لشرع أحله الله، وفي ذلك صفعة قويّة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم الشريف لا نصرة لديننا الحنيف، خاصة وأن أكثر الرسومات الكاريكاتورية المسيئة لشخصه الشريف وصفته بأنّه زير نساء، وحاشا لله إن كان كذلك، وبذلك أُرجع العيب على التّعدد لا على من لم يحترم أصوله من الزّوج أو الزوجات، وعمل الإعلام المعولم وإن صحّ القول “العلماني” على ترسيخ فكرة في أذهان أجيال متعاقبة، فكرة قلبت القيم الاجتماعيّة والدينيّة التّي كانت تنظر للتّعدد على أنّه أمر عادي فيه ما يكفي من الاستقرار والمودة والرّحمة والأخوة ليعم السّلام على جميع الزوجات والأبناء، والأهم من ذلك أنّه شرع الله في خلقه وليس الله بظلام للعبيد، وإن كانت توجد العديد من القصص التي أثبتت نجاع التّعدد فأيضا توجد قصص فاشلة لم تحترم قوام التّعدد ألا وهو العدل، إلّا أنّ هذه الأفلام والمسلسلات اقتصرت على أنّ التّعدد ظلم للزوجة الأولى ولأبنائها واستقرارها، أو أنّها زوجة فاشلة لم تستطع الحفاظ على عائلتها، وبذلك تأرجحت النّظرة إليها بين شفقة وشماتة، في حين اعتدلت عند الزوجة الثّانية بين اشمئزاز وعداوة، و أنها خطّافة الرجال أو خرّابة البيوت، وإن كانت في كثير من الحالات ضحية زواج تُلام فيه أنها امثتلت لشريعة الله لا طمعا ولا هروبا من العنوسة أو مظالم الحياة، فضاعت حقوقها وحقوق أطفالها، ولترفع راية العدل توجب عليها تقديم العديد من التّنازلات وتحمّل الإهانات ونظرة المجتمع القاسية الظالمة لها ولمن قبلها ولمن تليها، نظرة جسدها الإعلام المستهين بشرع وسُنّة الله كما هو في مسلسل “الريان” و”الزوجة الرابعة” و”الحج متولي”. والتّي فيها جُسِّد التّعدد على أساس أنّه زواج شهوة ومتعة ومصلحة لا ميثاق غليظ يشترط فيه نيّة الاستمرارية والإنجاب.
لكن الخيانة الحقيقيّة من زنا وكسر للحرمات فيتّم التّعطاف معه باسم الحب أوإهمال أحد الطرفين للآخر –سواء الزوج أم الزوجة-، إذ مثّل المسلسل التّركي “العشق الممنوع” البوابة التّي دخلت منها الدراما العربيّة ساحة التّبرير والتّعاطف مع الخيانة الزوجيّة كما هو الحال في مسلسل “تانغو” و”رسايل” و’الإخوة” و”أنا شهيرة.. أنا الخائن”، إلى جانب ذلك استباحة المساكنة قبل الزواج كما هو في مسلسل “استيلتو” و”لما كنا صغيرين”، كلها قيم غربية وغريبة، لا تمد بصلة لعروبتنا وإسلامنا، لنعيش واقعا أستحل فيه الزّنا وحُرّم فيه شرع الله.
رحلتنا لن تتوّقف عند هذا المطاف، فالعرب في عيون العرب يحتاج إلى دراسات جادة وقوانين إعلامية صارمة، وإعادة النظر في مالكيه ومسيريه، فالوظيفة الرئيسية للاعلام هو التحلي بالمسؤولية الاجتماعية في إنتاج مواد إعلامية توعية و تثقيفية وتربوية، إلى ذلك الحين قارئي المحترم الدين رسالة، الدين أمانة. الدين سؤال يوم القيامة.








