الفنان حمزة بونوة ضيف إسيا نيوز

حاوره مع أمين خلفات
يعتبر الفنان حمزة بونوة احد اهم الفنانين الجزائريين على مستوى الساحة الفنية العالمية بصمته المعاصرة قدمت تشكيل جديد للحرف العربي كما تتجه اعمال حمزة بونوة الاخيرة الى عوالم بصرية فنية وتقنية ساحرة تجعله مميزا متفردا بفنه.
قبل الازمة الصحية التي نعيشها اليوم كنتم بصدد افتتاح ديوانية الفن لكن تم تأجيل ذلك بسبب الازمة الصحية، حدثني حول تفاصيل هذا الرواق الفني الجديد؟
ديوانية الفن هو رواق فني جديد يقع ببوشاوي بالعاصمة، يتميز بكونه لا يقتصر على الفنانين الجزائريين فقط بل هو موجه الى كل الفنانين في العالم العربي ذلك من اجل عرض أعمالهم الفنية، هدفنا ان يكون مشروعا رائدا يهدف إلى تحريك ديناميكية سوق الفنون في الجزائر، والغاية منه هو تعزيز الحركة الفنية في الجزائر، والمساعدة في نحت مكانة لبلدنا كمركز إقليمي للفن، كما نهدف إلى تقديم الدعم للمواهب الشابة التي تعمل اليوم من جميع أنحاء المنطقة من خلال عرض أعمالهم ورفع مستوى ملفهم الشخصي من خلال الترويج لفنهم على نطاق أوسع وحينما أقول «نحن»، فأنا أقصد فريقا من الشباب انضم إلى هذا المشروع الذي أسسته، اذكر منهم مولود عمرون منسق الجاليري في الجزائر و روميسة رامي منسق الجاليري في لندن، وسيكون عملي دعم المشروع من خلال روابطي بعالم الفن دوليا، اضافة الى الدعم المالي المباشر، وقد فكّرنا في الإعلان عن افتتاح المشروع بتنظيم معرض «مسارات»، الذي سيكون على شكل أيام مفتوحة، كما خطّطنا لأن يكون ذلك مبدئيا في سبتمبر المقبل، ولكن المحافظة على هذا التاريخ وعدم تغييره معتمد على تطورات الأزمة الصحية الحالية
و هنا اريد توضيح شيء مهم و هو كالآتي : عندما نقول الفن الإسلامي لا يجب فهم ذلك من منظور تلك الأساليب الكلاسيكية المعروفة مثل منمنمات و خط عربي، انما الديوانية تهتم بالفنانين الذين لديهم مفهوم معاصر من تصوير فوتوغرافي، فن الفيديو و الرسم ( painting )و لكن بصياغة جديدة و مختلفة للفنون الاسلامية و التي تعالج القضايا و الهموم و الازمات الحالية بعالم الاسلامي بطرح افكار طموحة و رسائل لفتح نقاش كما ان الفن و الثقافة يجب ان يكون قوة حقيقية ضد الراديكالية الدينية والجهل والتعصب بكل اشكاله وخاصة في الجزائر .
قبل اسابيع من الان اشتغلتم على مشروع حروف الجنة والذي اضاء شوارع وازقة العاصمة في ساعات الحجر .
كيف توصلتم الى هكذا فكرة خاصة وان ميدان الثقافة كان من اول المتضررين جراء جائحة كورونا؟
هذه الفكرة كانت نتيجة او ردة فعل لحالة العزل التي شهدها العالم جراء وباء كورونا، وكما يعلم الجميع ان حالة الإغلاق من جراء هذا الوباء أدت الى توقيف معظم الأنشطة الثقافية والفنية حول العالم، وبما ان الفن يولد من رحم الازمات كانت النتيجة هذا المشروع مشروع حروف الجنة، ذلك من اجل تحريك عجلة الثقافة التي مسها شلل بسبب الازمة الصحية، بهذا المنطلق اردت تجاوز حالة العزل التي نعيشها، هنا في الجزائر.
بالنسبة الى تفاصيل عملية انتاج مشروع “حروف الجنة” المستلهم من أجواء العزل اردت ان اكتشف مدينة العاصمة من منظور مختلف ومن زاوية جديدة ، كنت اتجول ليلاً خلال ساعات الحظر بين الشوارع والميادين مدينة الجزائر العاصمة كنت ارسم حروفاً بالضوء في فضاءات المدينة الخالية من عناصرها الطبيعية، إن الهدف من هذه الحروف والانحناءات والخطوط الضوئية هو بعث القليل من الأمل في قلوبنا نحن الشعب الجزائري ، فبرغم من العتمة والظلام يوجد شعاع نور يبشر بغد افضل أي ان للازمة نهاية، كما ان رمزية الضوء تعني بداية جديدة والتاريخ يقول بأن الازمات التي مر بها البشر هي مجرد تحديات ترفع من قوة الاستجابة لدى البشر للنهوض مجددا ومضي قدما نحو الأفضل او كما
بالنسبة الى التقنية المستعملة ، هي تقنية الخط الضوئي، حيث تسمح هذه التقنية القديمة بمرور بطيء للضوء عبر عدسة آلة التصوير وحينها تستطع تسجيل الكاميرا الحركة التي يتخذها الضوء المتحرك في الفراغ مع الهندسة المعماري للمباني حيث تبدو هذه التشكيلات المرسومة في فضاء المدينة الخالية كمنحوتات حقيقية تتماشى و السكون الليل فتكون اقرب الى الروحانية ،كما يمكن ان تتحول هذه الحركات الضوئية الى اعمال حقيقية على ارض الواقع في شكل منحوتات تضيئ العاصمة ليلا، اؤمن أن الفنان عليه أن يتفاعل مع الظرف العام بحنكة ليخرج بأفكار خلاقة تتجاوز الممارسات التقليدية، ولا يظل حبيس مرسمه ، فإذا كانت أجواء الحجر الصحي تحول دون وصول الناس الى الفنان، فعلى الفنان أن يسعى إلى ذلك بطرق مبتكرة، بهذا المشروع ضربت عصفورين بحجر واحد كما يقال، هو ارسال عمل فني الى الجمهور ، وفي الوقت نفسه ابرز جماليات المدينة في حوار بين الخط و العمار بين النور والعتمة.
هذا المشروع ذو الطابع المجاني الإنساني تقدمت به الى مصالح بلدية الجزائر الوسطى والتي قامت بتسهيل الأمور من اجل تسهيل العمل اثناء ساعات الحجر الصحي قبل هذا قمنا بتعيين الأماكن المناسبة والتي تحمل طابع جمالي وتاريخي أيضا، كما اخترنا مجموعة من الشوارع والتي تكون عادة ممتلئة بالبشر حتى يتضح التباين بين المألوف والغير مألوف أي ابراز جحيم الازمة الصحية التي عزلت الجميع في بيوتهم، بعد ذلك قمنا بالعمل تقريبا من الساعة العاشرة مساءا الى غاية الساعة الثانية صباحا.
هذا بإضافة إلى تسويق صور حضارية عن الجزائر العاصمة وأهم المعالم المميزة للمدينة وسبب هو سرعة انتشار هذه التجارب عبر مواقع التواصل الاجتماعي وعرضها افتراضيا في مواقع العرض المختصة دوليا، مشروع العمل بتقنية الضوء سيكون ايضا على شكل كتاب مشترك بيني وبين الشاعر المصري جمال باخيت، وسأقوم بكتابة الكثير من ابياته الشعرية بتقنية الخط الضوئي وسيعرض المشروع السنة المقبلة في القاهرة.
قدمت دفعة جمالية مختلفة الى فن الخط من خلال تجربتك وخبرتك الواسعة في مجال الخط ،هل نستطيع القول ان الاعمال التي قدمها الفنان حمزة بونوة قفزت بفن الخط نحو الحداثة؟
اولا ”الحداثة” هي حركات فلسفية وحركة فنية نشأت من تحولات واسعة في المجتمع الغربي خلال أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، عكست هذه الحركة رغبة في إنشاء أشكال جديدة من الفن والدين والفلسفة والتنظيم الاجتماعي والتي عكست العالم الصناعي الناشئ حديثًا، بما في ذلك ميزات مثل التحضر والتقنيات الجديدة، لهذا حاول الفنانون الابتعاد عن الأشكال الفنية التقليدية، هكذا هي الحداثة ( Modernisme) بهذا المفهوم وهي من انتاج الثقافة الأوربية، وهذا لا يعني بالضرورة ان اكون جزء منها، هي ليست من انتاج ثقافتي المحلية، فأنا مستقل عنها، ان الخط عندي معاصر من حيث المفهوم و التقنية، في معظم الاحيان اعرض لوحات معلقة على جدارن مختلف المعارض الفنية أي ان اللوحة معاصرة متنوعة من حيث التقنية و المفهوم، على العكس الحداثة ، فأن الفن المعاصر اعطني الوسيلة السريعة لطرح الافكار و البحث عن لغة جديدة تتوافق مع الواقع المتغير و كسر جميع المعايير والقيود .
في الفن المعاصر لا يوجد هدف أو وجهة نظر واحدة، إنها غير متجانسة، كما هو الحال في العالم المعاصر في الوقت الحاضر يمكن للمرء أن يحصل على الانطباع بأنه لا توجد قيود جمالية أو أخلاقية في التعبير الفني عالميا، وهذه هي المتعة الحقيقة.
حدثني عن تجربتك الفنية في منطقة الخليج وكيف ساهم فنك في اعطاء رؤية جديدة في مفهوم الخط العربي مع العلم ان منطقة الخليج هي منشأ الحرف العربي..
ذهبت الى الشرق الاوسط في بداية العام 2003 وبالضبط الى الكويت بعد تجربة في البرازيل وكندا وبيروت، اظنها كانت بداية حقيقية لي بسبب موقع الكويت الاستراتيجي بحيث انه بلد لديه حدود مع العراق وليس بعيد عن إيران وتنوع الجنسيات فيه جعلني اكتسب الكثير من الأشياء، ففي السنوات الأولى قمت بالمساعدة في تأسيس جاليري (فنون جميلة) و عملت فيه لمدة ثلاثة سنوات كمدير، أنشأت فيه الكثير من المشاريع و المعارض الفنية في المنطقة، جاليري( جميلة) كان لديه فكرة استقطاب فنانين من الولايات المتحدة و بريطانيا و فرنسا و تسويقهم في الكويت و تمكنت من السفر معظم الوقت و هذا ما زادني خبرة مذهلة خاصة بحضوري في المعارض المتخصصة دوليا ( art fairs) كل هذا افادني فيما بعد في ادارة و تسويق اعمالي الفنية و في نفس الوقت مساعدة الكثير من الفنانين في تسويق اعمالهم ايضا، بعدما انشئت ورشتي الخاصة بداية 2007 اين قمت بمعارض مختلفة في كل انحاء العالم من بريطانيا الى نيويورك الى ايران و الامارات و الصين و دخول اعمالي في الكثير من المزادات المختلفة مما ساهم في رفع القيمة السوقية لها، اعتقد ان الشرق الاوسط اعطاني الإلهام الحقيقي لتطوير اعمالي خاصة أنني كنت في احتكاك مباشر مع الفنانين عرب كبار مثل ضياء العزاوي محمد عمر خليل و عمر النجدي، اظن انه على الفنانين الجزائريين تغيير الوجهة الفنية، فمنذ الاستقلال و الفنان الجزائري يتجه للعرض في فرنسا بدون فائدة حقيقية و هذه الوجهة لم تقدم لهم اشياء كبيرة بحيث القليل منهم من وصل لتحقيق النجاح والعرض في الاماكن المهمة، فرنسا لم تقم بدعم الفنان الجزائري، واعمالهم غير متواجدة حتى في مقتنيات المتاحف الصغيرة ، الفنان الجزائري كان يسافر الى فرنسا بسبب الصلة التاريخية واللغوية اما السوق الفن في رأيي لم يعد في باريس كما ايطاليا بل انتقل الى مناطق اخرى مثل الصين ودبي وسنغافورة ونيويورك وبريطانيا وألمانيا، كما ان الشرق الاوسط هو مركز الأحداث الدولية فالكل يسافر اليها سواء للعمل او للسياحة، كما ان دول الخليج قامت بمجهود ثقافي مذهل في دعم الفنانين و بناء المتاحف العمومية خاصة متحف اللوفر و متحف جوجنهاين ابوظبي والذي سيتم افتتاحه سنة 2022 و دعم القطاع الخاص على الاستثمار في الفن و الثقافة
في الجزائر لا يحبون المقارنة بدول الخليج بحكم انها دول صغير تملك ميزانيات ضخمة بالعكس الجزائر صرفت الكثير من الأموال في مجال الثقافة وربما اكبر مما صرفته دول الخليج في الثقافة الإشكالية تكمن في الاستراتيجيات الثقافية وكم نحن بحاجة الى استراتيجيات حقيقية تعيد الفن الى مكانته الاصلية.
نعود الى الجزائر يدور هذه الايام حديث حول انشاء سوق فن بالجزائر، بحسب رأيك وخبرتك الواسعة في مجال الفنون التشكيلية ماهي الادوات التي تساهم في صناعة سوق فن حقيقي في الجزائر.
الفنان المحترف لا يحتاج الى الكثير من الإمكانيات بل يحتاج الى تسهيل بعض الامور الادارية لكي يستطيع العمل بطريقة جيدة ، و اظن ان وزارة الثقافة تسير في الطريق الصحيح في هذا المجال بوضعها لقانون الفنان، كما يجب خلق سياسة جديدة في بعث القطاع الخاص في دعم القاعات الخاصة و المؤسسات الثقافية المختلفة و تشجيع اقتناء الاعمال الفنية، كما على الفنان التخلص من فكرة الاعتماد الكلي على الدولة لان ذلك غير صحي في الممارسة الفنية، فهذه الفكرة أنتجت لنا فنانين غير قادرين و غير مبدعين في معظم الاحيان و هذا ما يفسر رداءة معظم الافلام السنيمائية و المعارض الفنية المختلفة وغياب الفنان الجزائري إقليميا، وهذا لا يصب في مصلحة الجزائر التي تسعى كي تكون قوة اقليمة في المنطقة سياسيا واقتصاديا و عسكريا و ثقافي ، اليوم نحتاج الى مشاريع جادة تسمو بسوق الفن في الجزائر بالاعتماد على أصحاب الخبرة الحقيقية في الميدان، ذلك من اجل تجسيد أفكار واستراتيجيات ثقافية تتماشى وما وصل اليه العالم في مجال سوق الفن، اظن ان الفرصة مواتية الان وعلينا الا نفقدها.
حمزة بونوة حدثني عن تحضيراتك الفنية لمرحلة ما بعد كورونا
بعد ازمة كورونا لدي مشروع مهم بالتصوير الفوتوغرافي بعنوان Isolation and flirtation
وهي مجموعة استوحيتها من فكرة التباعد الاجتماعي والحبس من جهة، والقيود الإيديولوجية والدينية من ناحية أخرى، مما ينتج عنه حالة من القمع في العلاقات الاجتماعية.


